الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

316

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

قلب كميل فازداد عطشه في فهمها ، مع علمه بأنه عليه السّلام قادر بأن يمنحه فهمها ويرقيه إلى درجة درك هذا المعنى ، وذلك بما أعطاه اللَّه تعالى من الولاية المطلقة ، التي من آثارها التصرف في كميل ، بحيث يرتقي إلى مقام إمكان درك هذا المعنى ، بل وإلى وجدانه ولذا قال : مستلطفا ومسترحما : أولست صاحب سرك ؟ أي أني طال ما رويت من عذب ماء معارفك ، ووقفت على بعض أسرارك ، وعلمت من علومك التي أسعفتني بها ، فكيف تمنعني حينئذ عن كشف هذا المعنى وبيان هذا السرّ ؟ فقال عليه السّلام في جوابه : " بلى ، ولكن يرشح عليك ما يطفح مني " . الرابع : في بيان هذه الجملة فنقول : اعلم أن أسرار آل محمد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - التي هي حقيقة ولايتهم المطلقة المشار إليها سابقا - أمر غامض قد علمت أنها لا يتحمله ملك مقرب ولا نبيّ مرسل ولا مؤمن ممتحن ، فلا يتحمّله إلا هم عليهم السّلام أو من شاؤوا كما تقدم . ومن المعلوم أن كميل بن زياد لم يكن بمثابة النبي المرسل أو الملك المقرب بقول مطلق ، فلذلك كلَّه قال عليه السّلام : بلى ، أي أصدقك على أنك صاحب سري ، ولكن الذي سألت من بيان الحقيقة هو فوق دركك ، فلا بد من أن تترقب إلى أن يرشح إليك من تلك الأسرار والعلوم والمعارف ، فتأخذها بحسب قدرتك وطاقتك . والوجه فيه ما ذكره عليه السّلام لكميل أيضا كما في النهج وغيره : " يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها " ، إلى أن قال عليه السّلام : " إن هاهنا لعلما جمّا لو أصبت حملة ، " فيستفاد منه أن القلوب تأخذ العلوم بقدر ظرفيتها ، فكما لا يأخذ إلا بقدر ظرفيتها لا يصلح لها السؤال والاقتحام لما فوق ظرفيتها ودركها كما لا يخفى . وبالجملة لما ردعه عليه السّلام عن مسئوله أثّر في قلبه شدة الطلب فقال : أومثلك يخيب سائلا ؟ فطلب منه عليه السّلام من طريق الاسترحام والاستعطاف ، فلما رأى الإمام عليه السّلام أنه صادق في طلبه على نحو الجدّ فأسعفه بمنحه لسؤاله ، فرشح عليه من